آخر الأخبار

جاري التحميل ...

بيزانسون... المدينة التي احتضنت الإسلام وخلّدت بصمته في تاريخ فرنسا

 شكّلت مدينة بيزانسون، الواقعة شرق فرنسا، وجهةً مميزةً للمهاجرين من شمال إفريقيا منذ ستينيات القرن العشرين. فقد دفعت الظروف الاقتصادية والسياسية العديد من الجزائريين والمغاربة والتونسيين إلى الهجرة نحو فرنسا عمومًا، وإلى بيزانسون خاصة.

ومع تزايد أعداد المسلمين في المدينة، برزت الحاجة إلى تأسيس أماكن للعبادة، فأنشأ المسلمون عام 1981 مركزًا ثقافيًا إسلاميًا، كان خطوةً محورية في بناء مجتمعٍ متماسكٍ يحافظ على هويته الدينية والثقافية.

سياسات الهجرة وتحوّلها

في نهاية السبعينيات، أصدرت الحكومة الفرنسية قراراتٍ تحدّ من أعداد المهاجرين، لكن موجة الهجرة لم تتوقف تمامًا، إذ فُتح باب جديد يتمثل في هجرة لمّ شمل الأسرة، التي سمحت بانتقال الزوجين والأبناء دون الثامنة عشرة إلى فرنسا بصفةٍ قانونية.
هذا القرار أسهم في استقرار الجاليات الإسلامية، وتحولها من عمالٍ مؤقتين إلى أسرٍ مقيمة دائمة بدأت في بناء مؤسساتها ومراكزها الثقافية والدينية.

ازدهار الحياة الدينية والثقافية

شهدت بيزانسون في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة نموًّا ملحوظًا في عدد المساجد. فقد بُنيت مساجد بارزة مثل مسجد السنة ومسجد الفتح ومسجد فونتائيكو عام 2010، ليصل عدد المسلمين في المدينة إلى نحو خمسة عشر ألف مسلم، أي ما يعادل 13% من سكانها.
وقد مثّل القرن الحادي والعشرون مرحلة ازدهارٍ حقيقية للمجتمع الإسلامي في بيزانسون، مع تزايد الأنشطة الثقافية والإعلامية، حيث توجد إذاعتان ناطقتان جزئيًا بالعربية تناقشان قضايا المسلمين في فرنسا، وتسعيان لربط الجيل الجديد بجذوره العربية والإسلامية.

التركيبة السكانية والاقتصاد المحلي

تُعد الجالية الجزائرية الأكبر في بيزانسون، تليها المغربية، ثم التونسية. كما تضم المدينة جالياتٍ أخرى أقل عددًا، مثل القادمين من تركيا وإندونيسيا وكوسوفو والبوسنة وصربيا.
وقد انعكس هذا التنوع على الحياة الاقتصادية، إذ ازدهرت التجارة المرتبطة بالهجرة المغربية والآسيوية، وانتشرت المتاجر الإسلامية، والمقاهي ذات الطابع الشرقي، ومحلات بيع اللحوم المذبوحة على الطريقة الإسلامية.

بيزانسون مدينة التاريخ والثقافة

تُعد بيزانسون من أجمل المدن الفرنسية، إذ تحتضن قلعةً تاريخية تعود إلى القرن السابع عشر، شُيّدت بحجارةٍ مخططةٍ بعدة ألوان. وقد سُئل الملك لويس الرابع عشر مازحًا عمّا إذا كانت جدرانها مطليةً بالذهب لجمالها.
كما تملك المدينة أقدم متحفٍ في فرنسا، تأسس عام 1694 بمبادرةٍ من رئيس دير المدينة، الذي أوصى بعرض مجموعته النادرة من المخطوطات والتماثيل والميداليات للعامة، لتكون نواةً لمتحف بيزانسون الشهير.

دور المقاومة والصناعة

خلال الحرب العالمية الثانية، كان أحد مباني المدينة مقرًا لإقامة الطلاب العسكريين ومركزًا للمقاومة الشعبية. وقد شهد المبنى إعدام نحو مئة من المقاومين، ولا تزال الوثائق والصور تخلّد ذكراهم حتى اليوم.
وتشتهر بيزانسون كذلك بصناعة الساعات، إذ استقر فيها حرفيون سويسريون حوّلوها إلى عاصمةٍ أوروبيةٍ لهذه الصناعة. وتُعدّ المدينة اليوم رائدةً عالميًا في تقنيات النانو تكنولوجي الخاصة بالساعات الدقيقة. ومن أبرز معالمها الساعة الفلكية في كاتدرائية بيزانسون، التي يبلغ ارتفاعها ستة أمتار وتتكون من أكثر من ثلاثين ألف قطعةٍ ميكانيكية.

شخصيات بارزة من المدينة

أنجبت بيزانسون عددًا من الشخصيات العالمية، على رأسهم الروائي فيكتور هوغو، الذي وُلد فيها قبل انتقاله إلى باريس. كما شهدت ولادة الأخوين لوميير، مخترعي السينما، فضلًا عن مفكرين وأدباء مثل جون جاك بوزار وشارل فوريه وتريستان بيرنار.

ولم يغب الحضور الإسلامي عن سجلّ المدينة، إذ ساهم العديد من المسلمين في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي. كما برزت شخصيات إسلامية في مجالات الطب والهندسة والرياضة، من بينهم فيليب جارنيه، أول نائبٍ مسلمٍ في تاريخ فرنسا، وُلد عام 1856 واعتنق الإسلام عام 1894 بعد دراسته الثقافة العربية والقرآن الكريم.

الإرث الثقافي الإسلامي

أسهم المسلمون في نقل تأثيراتٍ ثقافيةٍ مهمة إلى بيزانسون، خاصةً في مجالات العمارة والفنون والآداب. فقد استُوحيت بعض التصاميم الداخلية للمنازل من الطراز الإسلامي، الذي يتميّز بفناءٍ داخليٍّ واسعٍ يربط أفراد العائلة. كما أدخل المسلمون مواد جديدة في الزخرفة والبناء، وأسهموا في تطور فنون الخطابة والأدب، حيث كانت المساجد والمجالس العلمية منابرَ لنشر الثقافة الإسلامية.
وامتد تأثيرهم أيضًا إلى الحرف والصناعات اليدوية مثل نقوش العاج والخزف والمنسوجات، التي جرى تطويرها بعد تجاربها الأولى في الأندلس والشرق الأوسط.

عن الكاتب

hilalstuff

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في المدينة