شكّلت مدينة بلخ إحدى أهم الحواضر التاريخية الواقعة على طرق الحرير، وكانت عبر قرون طويلة مركزًا للحضارات والفلسفات والديانات والتجارة. وتميزت الحياة فيها بدرجة كبيرة من التسامح وقبول الآخر، وهو ما ساهم في ازدهارها، إذ إن نشوب الصراعات كان يُعدُّ التهديد الرئيس لحركة التجارة التي قامت عليها حياة المدينة.
مركز علمي وتجاري على مفترق طرق الحضارات
بقيت سمعة بلخ كمركزٍ للتعلم قائمةً بفضل روايات وسجلات المسافرين في القرن الثاني عشر الميلادي، الذين وصفوا وجود مؤسسات تعليمية متعددة فيها، بالإضافة إلى دورها المهم كمركز تجاري مرتبط بشبه القارة الهندية والصين.
وتُظهر هذه الشهادات أن المدن المتعددة الأعراق والثقافات ليست ظاهرة حديثة، بل هي امتدادٌ لتاريخ طويل شهدت عليه مدن طريق الحرير.
مدينة التعددية الدينية والثقافية
أسهم موقع بلخ المتميز في جعلها مدينة مزدهرة وموطنًا لمجتمعات من الهضبة الإيرانية والأناضول وشبه القارة الهندية. وكانت مركزًا للديانة البوذية والزرادشتية، كما ازدهرت فيها الفلسفة والفنون.
وتعددت روايات فتحها في العصر الإسلامي؛ فبينما تنسب بعض الروايات فتحها لصحابة في عهد عمر بن الخطاب، تذكر أخرى أن الأحنف بن قيس فتحها في عهد عثمان بن عفان، فيما تشير رواية ثالثة إلى فتحها على يد سعيد بن عثمان بن عفان عام 56هـ.
بلخ في صدر الإسلام
شهدت بلخ حركات ردة وخروج عدة ضد الدولة الإسلامية، حتى استقرت في الإسلام عام 87هـ على يد قتيبة بن مسلم. وبعد أن قضى على حاكمها وأعاد الأمن إليها، دعا أهلها إلى الإسلام، فاستجاب كثير منهم بعد حادثة كسر الأصنام الشهيرة التي زادت من قناعة السكان بصدق دعوته.
وفي عام 107هـ أعاد أسد القَسْري بناء المدينة التي دمرتها الحروب، ثم أصبحت لاحقًا أول مركز لدعوة العباسيين بقيادة أبي مسلم الخراساني عام 130هـ.
كما نالت اهتمامًا كبيرًا في عهد البرامكة الذين أعادوا إعمارها وقدموا خدمات جليلة لها، منها شقّ نهرٍ إليها من قِبل الفضل بن يحيى البرمكي.
ذروة الازدهار
بلغت بلخ أوج مجدها بعد الفتح الإسلامي، إذ وصلت إلى درجة عالية من الرقي والتمدن:
-
ازدحمت بالسكان حتى ارتفعت أسعار الأراضي ارتفاعًا كبيرًا.
-
بلغ عدد مساجدها العامرة 1848 مسجدًا، ومدارسها 400 مدرسة.
-
ضمت أكثر من 1200 عالمٍ للإفتاء.
وأصبحت قبلة للناس من مختلف الأمصار، حتى قيل في وصفها:
أقمْنا ما أقمْنا في سرورٍ وريفٍ
إنهم قومٌ كرامٌ… إذا رمتَ المقامَ بأرض قومٍ
ففي بلخٍ يطيبُ لكَ المقامُ
الدمار المغولي وانحسار الازدهار
تعرضت بلخ خلال الغزو المغولي لدمار كبير، ووصفها ابن بطوطة في العصر اللاحق بأنها كانت في السابق مدينة واسعة يبلغ عدد سكانها نحو مئتي ألف، ومساحتها ثلاثة أميال مربعة، ومسجد الجمعة في وسطها.
لكن الخراب المتكرر، إلى جانب وباء الملاريا عام 1912م، حوّلها إلى أطلال لا يزيد عدد بيوتها الحالية على خمسمائة، وفق التقديرات الأفغانية.
أعلام بلخ
اشتهرت بلخ بأنها مدينة العلماء، ومن أشهر من خرج منها:
-
جلال الدين محمد البلخي (الرومي)، أحد أعظم شعراء الفارسية، وُلد فيها عام 1207م قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الأناضول.
بلخ اليوم
تعرف بلخ اليوم باسم وزير آباد، وتشتهر بزراعة النخيل والبقول والكروم والحمضيات والحبوب، وتمتاز بخصوبتها وغزارة مياهها. كما تشتهر بصناعة السجاد والفخار والآنية المعدنية ومواد البناء، وفيها ماشية ترعى على سفوح المرتفعات.
ويمر بها ثمانية عشر مجرى مائي، لذا تُسمى المنطقة "هاجد نهر"، أي: ذات الثمانية عشر نهرًا، مما جعلها واحدة من أكبر واحات العالم إنتاجًا للفواكه والمزروعات.
كما تشتهر بإنتاج جلود القَرْقُل، وبالجمال البُخْتية ذات السنامين، وبالخيول الأصيلة.
ولا تزال المدينة تحتفظ ببقايا معبد نوبهار وجامع حاج بيادا، وهو من أقدم مساجدها الباقية حتى اليوم.