آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مقديشو: العاصمة التي تحدّت البرتغاليين وصنعت تاريخ وهوية القرن الإفريقي

 تُعدّ مدينة مقديشو واحدة من أهم الحواضر الإسلامية في شرق إفريقيا، وقد شكّلت منذ نشأتها الأولى مركزاً حضارياً وتجارياً وثقافياً لعب دوراً محورياً في مسار المنطقة. ويعود تأسيس هذه المدينة إلى الإخوة السبعة الذين وصلوا على متن ثلاث سفن محمّلة بالرجال والعتاد الحربي، فاستولوا على سواحل بنادر وأقاموا مدينة مَقاديشو لتكون عاصمة دولتهم الناشئة. ومع توسّع نفوذهم، امتد سلطانهم جنوباً حتى مُمباسا، وربما وصل إلى مدغشقر.

انتشار الإسلام وبناء المجتمع

لم تمضِ سنوات طويلة حتى أصبحت سواحل بنادر إقليماً مسلماً بالكامل على المذهب الشافعي، بعد أن نشر المهاجرون العرب تعاليم الإسلام وأسّسوا مجتمعاً قائماً على المبادئ الإسلامية في المعاملات والتجارة والشؤون الاجتماعية. وقد منح هذا المجتمع الوليد المرأة حقوقها كاملة، كما نشأ نظام فدرالي قوي يربط بين العرب والصوماليين، تديره مجالس شورى تُعنى بأمور المدينة.

ازدهار حضري وعمارة متطورة

مع تحقق الاستقرار، شهدت مقديشو ازدهاراً عمرانياً لافتاً؛ فقد توسّعت المدينة، وتزايد عدد سكانها، وبدأت المساكن الحجرية تحل محل الأكواخ الخشبية تدريجياً. ومع تطور الحياة المدنية، انحل النظام الفيدرالي القديم ليتولى حكم البلاد حاكمٌ واحد من أبناء الصومال، وبدأ عهد جديد من عهود السلاطين الصوماليين بطابعهم المحلي المتأثر بالثقافة الإسلامية.

أسرة المظفّر ودورها في تعزيز قوة المدينة

شهد القرن الرابع عشر وصول أسرة المظفّر العربية المنتمية لقبيلة بني نبهان إلى الساحل الشرقي لإفريقيا، حيث أسّست إمارة عربية قوية. وتمكّنت هذه الأسرة من بسط سيطرتها على مقديشو عام 1331م، مما منح المدينة قوة سياسية واقتصادية جعلتها تُذكر في حوليات الصين، كما زارها الرحالة فاسكو دي غاما ووصفها بأنها مدينة عظيمة، وهو ما أثار أطماع البرتغاليين فيها.

مقاومة البرتغاليين والتحالف مع سلطنة عمان

حينما بدأ البرتغاليون هجومهم على سواحل شرق إفريقيا واستولوا على كِلوة، تقدّموا شمالاً نحو مقديشو. غير أنّ المدينة أبدت مقاومة شرسة لكل محاولاتهم، خاصة في حملة 1507م، معتمدةً على تحصيناتها القوية ووجود العنصر العربي الذي لعب دوراً كبيراً في الدفاع.

ولما اشتدت الضربات، استنجد شيوخ مقديشو بسلطان عمان الذي أرسل أسطولاً بقيادة الأمير سالم الصارمي عام 1640م. وقد انتصر المسلمون في هذه المعركة، ونُصّب الصارمي سلطاناً على مقديشو لتنظيم شؤونها، مما أدى إلى ارتباط عميق بين سلطنة مقديشو وسلطنة عمان في الاقتصاد والسياسة والدفاع.

الاحتلال الإيطالي ومرحلة ما قبل الاستقلال

مع بدايات القرن الثامن عشر بدأت مقديشو تواجه سلسلة من التحديات انتهت بخضوعها للاستعمار الإيطالي. ورغم المقاومة الباسلة، نجح الإيطاليون في فرض سيطرتهم، وانتقل آلاف المستعمرين الإيطاليين للعيش فيها. وشهدت المدينة إنشاء شركات تصنيع صغيرة وتطوير بعض المناطق الزراعية المحيطة بها إلى أن نال الصومال استقلاله عام 1960م.

التراث المعماري: شواهد على تاريخ عريق

تزخر مقديشو بتراث معماري يعكس هويتها الإسلامية. ومن أبرز معالمها:

  • مسجد فَكِّر الدين (القرن الثالث عشر): يتميز بمنحوتاته المعقدة ومداخله المقوسة التي تمزج بين الطراز العربي والفارسي والصومالي.

  • مسجد أربَعَرْكَن (مسجد الأعمدة الأربعة): مبنى فريد ذو أربعة أعمدة تُزيّن واجهته عناصر زخرفية تمثل تمازجاً معمارياً عربياً صومالياً.

علماء ودعاة صنعوا التاريخ

كانت مقديشو مركزاً للعلم الشرعي، وخرّجت علماء أثروا العالم الإسلامي، أبرزهم:

  • عثمان بن علي الزيلعي (القرن 14): مؤلف تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، أحد أهم كتب الفقه الحنفي.

  • الشيخ أبادير: الداعية الذي جاء من الجزيرة العربية في القرن الرابع الهجري ونشر الدعوة في الصومال وإثيوبيا.

  • أحمد بن إبراهيم الجَرّان (القرن 16): قائد مجاهد أحدث تحولاً كبيراً في نشر الإسلام في القرن الإفريقي.

عن الكاتب

hilalstuff

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في المدينة